القصة الكاملة لسقوط البشير


القصة الكاملة لسقوط البشير

القصة الكاملة لسقوط البشير.. ثورة حقيقية أم مجرد تغيير في الوجوه؟

في وقت مبكر من صباح يوم ١١ نيسان/ أبريل، انتشرت بين حشود المتظاهرين المعتصمين خارج مقر الجيش في أم درمان أنباء تفيد بأن وزارة الدفاع السودانية على وشك إصدار بيان بالغ الأهمية.

بدا أن المتظاهرين الذين كانوا يسعون منذ فترة غير قصيرة لإرغام الديكتاتور السوداني عمر البشير على التنحي بعد عقود في الحكم، بدا وأنهم يعرفون بشكل بديهي ما الذي كان على وشك الحدوث.

وبالفعل أعلنت وزارة الدفاع أن البشير قد تنحى عن منصبه بعد زهاء ثلاثين عامًا في سدّة الرئاسة. هنا، كان لوجود أعداد كبيرة من أفراد ومركبات القوات المسلحة السودانية، وليس جهاز المخابرات والأمن الوطني أو الشرطة، دلالة مهمة.

ثم أعلن وزير الدفاع أحمد عوض بن عوف أن الجيش سوف يدير شؤون البلاد بعد استقالة البشير، وأشار إلى أنه سيتم تشكيل حكومة مؤقتة في الوقت المناسب.

كما تم إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر مع فرض حظر التجول في جميع المراكز الحضرية الرئيسية من الساعة ١٠ مساءً إلى الساعة ٥ صباحًا يوميًا لمدة شهر واحد. وقال الوزير أن الجيش سوف يقوم بإغلاق المدينة والحكومة لمدة ٢٤ ساعة بينما يتم إنهاء الترتيبات الانتقالية.

في الوقت الذي كان وزير الدفاع يصدر إعلانه، الذي تم بثه على راديو أم درمان، انتشرت تقارير تفيد بأن الرئيس السابق عمر البشير وعددا من كبار مساعديه تم عزلهم في الإقامة الجبرية فيما كانت الشائعات بين الحشود تفيد بأن قادة الأحزاب السياسية الرئيسية سوف يجرون مشاورات مع كبار القادة العسكريين.

بحلول وقت كتابة هذا التقرير، كانت التفاصيل حول من كان رهن الاعتقال أو من كان يشارك في العملية (الانتقالية) لا زالت غير واضحة. بعد فترة وجيزة من إعلان الجيش.

رد تجمع المهنيين السودانيين، وهو أحد المنظمات الرائدة في تنظيم الاحتجاجات، معلنا أن استقالة البشير وتحركات وزير الدفاع  هي انقلاب عسكري وأن التجمّع وغيره من قادة الاحتجاج سيواصلون اعتصامهم حتى يتم الإعلان عن الانتقال إلى حكومة مدنية.

واستخدم المتحدث باسم التجمّعات المعارضة لغة قوية قائلا "يجب أن يتولّى المدنيون الآن السلطة من الجيش". في هذه الأثناء، تتكشف تطورات جديدة كل يوم، وعلى سبيل المثال، بعد مرور ٤٨ ساعة فقط من توليه السلطة، تنحى وزير الدفاع أيضًا مفسحا الطريق لعبد الفتاح برهان عبد الرحمن، المفتش العام السابق للجيش، ليتولى رئاسة المجلس العسكري الانتقالي.

في حين أنه كان من المتوقع أن تحدث هذه الأحداث في نهاية المطاف في شكل ما، لم يكن أحد يتوقع حدوثها بهذه السرعة دون مقاومة أقوى من البشير ومؤيديه الرئيسيين.

تشير نظرة أولى إلى الأحداث بأن شبح مصير قادة ليبيا ومصر كان يلوح بقوّة في الأفق بالنسبة للبشير. ويقول العديد من أولئك القريبين مما يحدث في السودان أن الدراما التي تتكشف يوما بعد يوم تتشابه مع الأحداث التي وقعت في مصر خلال السنوات الأخيرة.

أشارت التقارير إلى أن الجيش، إلى جانب سجن البشير والدائرة المحيطة به، بدأ أيضًا في البحث عن واحتجاز الأشخاص المرتبطين بالإخوان المسلمين في السودان والذين لهم صلات قوية بالجماعات الإسلامية التي ساعدت البشير في الوصول إلى السلطة في أواخر عقد الثمانينات من القرن الماضي.

اليوم يوجد هناك فراغ كبير في السلطة، في وقت تنتشر فيه الشائعات كالنار في الهشيم. في مثل هذا الوضع المتقلب، يمكن أن يؤدي عدم اليقين إلى تشجيع أولئك الذين كان قد تم اقصاؤهم لفترة طويلة والذين يتطلعون إلى تأمين مشاركتهم في المشهد السياسي الناشئ الى المجازفة والإقدام والمبادرة.

يتناول هذا المقال الجوانب الرئيسية للأسباب التي ساعدت في بقاء نظام البشير ثم سقوطه في نهاية المطاف، من خلال دراسة كلّ من العوامل المحلية والدولية.

على الرغم من كون الفترة الحالية احدى أكثر الأوقات سلمية في تاريخ السودان الحديث، فإن حركة احتجاج كبرى نجحت في إحداث تغيير سياسي كبير في البلاد.

وعلى الرغم من وجود علامات على تحسن الاقتصاد (قبل المظاهرات)، اندلعت احتجاجات السودان بفعل الضغوط الاقتصادية المباشرة على الطبقة الوسطى والمهنية. انبثقت حركة الاحتجاج هذه التي أدت إلى سقوط عمر البشير من رحم المجتمعات السياسية الأساسية في السودان، ولم تكن تمردًا عنيفًا بدأ في أطراف السودان.

وقاد حركة التغيير هذه جيل أصغر من المهنيين، وخاصة من الأطباء والمهندسين. إذ أن الاقتصاد السياسي لحكم البشير، حيث سمح نظام الرعاية العسكري له ولنظامه بالبقاء في السلطة، قد أفلس وانتهى تاريخ صلاحيته. أخيرًا، يحلل المقال ما إذا كان انتقال السلطة من البشير إلى قادة الجيش يعكس فعلا التغيير الثوري الذي يطمح الكثيرون في تحقيقه أم لا.