الحضارتين كرمة ومروي


الحضارتين كرمة ومروي

نلاحظ أن المنجزات السياسية والمعمارية الكوشية، لاتبدو بنفس الضخامة أو الأهمية وفقا لنظرتنا إلى السودان ولشطري مصر  ففي الجزء المتحضر من السودان ازدهرت معالم الحياة المدنية والريفية بداية من جزيرة مروى وحتى الشلال الثالث.

ولقد ساعد إحضار الفنيين المصرين على إقامة معابد صغيرة رائعة، في أماكن عبادة الإلهة آمون (مثل نباتا ، وصنم ، وكاوا ، وبنوبس وبالرغم من تمصر تلك الملكية حيث يتم انتقال العرش من الأخ لأخيه خلافا للطابع المصري) ، فقد بقت عادة سودانية عن عمد.

وشيد الملوك لأنفسهم أهرامات في جبانة الكورو El-Kourou الخاصة بالأسلاف، باستثناء طهارقا الذي تجه إلى "نوري Nouri" دون أن يبعتد تماما عن نباتا. ومع ذلك نلاحظ القليل من العلامات الغربية المستوردة في ملابس هؤلاء الأمراء مثل : وجود تاج ذي نمط خاص بهم، وحلى مستحدثة منها أشكال على هيئة رأس الكبش أحد مظاهر الإله آمون .

وفي منطقة طيبة انضمت العائلات الكهنوتية هناك حول الفرعون النباتي (نسبة إلى نباتا)، وجاء من الجنوب البعيد "عابد آمون" لكي يوطد دعائم الإستقلال الذي نجح كبار الكهنة التأنيسيين والليبيين في إحرازه من قبل، وانخرطت بعد المتعبدات الكوشيات أمثال "آمون إردس Amenirdis " ابنه "كاشتا" و "شابنوبت Chapenoupet" إبنة بعنجى.

في نهج من سبقتها من العائلة الشاشانقية. وحفلت معابد طيبة بنقوش رائعة مزدانة باسم الملك أو الزوجة الإلهية. وهي معابد متوسطة الحجم بشكل عام، ولكنها ذات طابع بسيط، ووطدت هذه المنشآت من دعائم النهضة المتشبهة بالعصور العتيقة في مجال الفنون المقدسة.

ويبدو أن الأسرة الخامسة والعشرين قد استمرت طوال فترة حكمها تقريبا وهي تمسك بزمام مدينة منف بحزم، وإن كانت قبضتها على الدلتا أقل أحكاما ، إذ أعلنت مملكة "سايس Sais" عن قيام أسرة جديدة هي السادسة والعشرين، وكان ذلك في حد ذاته بعد عقبة منيعة بالنسبة لغاز قادم من أقاصي البلاد، وفي ذات الوقت ثبتت بعض صغار الفراعنة التأنيسيين و "كبار الحكام" في أماكنهم.

وبملاحظة انجازات "طهارقا" في مجال البناء والتشييد والذكرى التي تركها وراءه، نجد أنه استطاع خلال بضع سنوات أن يملك تقريبا زمام كافة أراضي ملكه الكائن على ضفاف النيل، والذي كانت رقعته تتزايد باستمرار. ولم يستطيع المصريون والسودانيون أن يمنعوا "سنخريب Sennacherib" الأشوري عام 700 ق.م من أن يغتصب فلسطين.

واستطاعت جحافل الجيوش الأشورية خلال حكم "أسردحون Assarhaddon" ثم "أشوريانيبال Assour-banipal" من أن تقتحم مداخل مصر: فسقطت منف عام 671 ق.م ثم تبعتها طيبة عام 666 ق.م. ولقد ساعد ذلك التدخل أخيرا في تقوية دعائم سايس، والمدن المستقلة في الشمال وتسبب هجوم مضاد بقيادة تانوت آمون Tanoutamon في عودة أشوريانيبال إلى مصر وحدوث عمليات نهب وسلب واسعة لمدينة طيبة عام 663 ق.م. وبعد قليل قام الملك الصاوي بسماتيك. Psammetipue بطرد أسرة نباتا إلى ما بعد أسوان عام 656 ق.م.

فترة كرمة (2500-1500ق.م)

يبدأ التاريخ الفعلي لكوش بفترة كرمة، إذ فيها تبلورت الصفة السياسية والحضارية لكوش. أما بداية الفترة نفسها فإنه يؤرخ لها بنحو 2500 ق.م، أي في وقت معاصر للأسرة الخامسة من المملكة القديمة المصرية.

ومضى زمن لا يمكن تحديده ظهرت بعده كوش قوة سياسية ذات شأن، غدت مصدر إزعاج لمصر في الفترة المعروفة بالمملكة الوسطى. ففي الأسرة الثانية عشرة من المملكة الوسطى (نحو 1900ق.م)، ورد أول ذكر لكوش في الوثائق المصرية القديمة، يصفها بكوش الخاسئة. انظر: مصر القديمة.

ولما ضعفت مصر مرة أخرى فيما يعرف بعصر الاضمحلال الثاني، ووقعت تحت حكم الهكسوس، تحالف ملك كوش مع ملك الهكسوس المسيطر على الوجه البحري آنذاك ضد الملك المصري المسيطر على الوجه القبلي (الصعيد) في الوقت نفسه.

ولما تحررت مصر من الهكسوس ودخلت فيما يعرف بالمملكة الحديثة غزت كوش انتقامًا وتوسعًا. وظل شمال كوش إلى أبي حمد خاضعًا للحكم المصري المباشر تحت إدارة حاكم يعرف بابن الملك في كوش، وظل هذا الأمر إلى أن ضعفت مصر مرة رابعة في الفترة المتأخرة من تاريخها حين استقل ما كان تحت يدها من كوش.

الفترة النَّبْتِـيّـة الأولى 746 )ق(

لما ضعفت مصر خلال الفترة المتأخرة من تاريخها فقدت سلطانها على ما كان تحت يدها من كوش، التي توحدت مرة أخرى تحت حكام كوشيين، حكموها من نَبْتَة، في منطقة جبل البركل، ودخلوا بها في الفترة النبتية الأولى من تاريخها. لا تعرف بداية هذه الفترة بالتحديد، ولا أسماء ملوكها الأوائل.

أما أول ملك لها معروف تاريخيًا فهو كوشتو (كاشتا في قراءته القديمة) وفي عهده تم أول غزو كوشي معلوم لصعيد مصر، أعقبته هيمنة كوشية على معظم مصر على يد خليفته بيي (بعانخي في قراءته القديمة)، وبه بدأت الأسرة الخامسة والعشرون من تاريخ مصر القديمة، وإن لم يحكم الكوشيون مصر وكوش من عاصمة في مصر بعد.

حكم مصر وكوش (746- 663 ق.م)

تبدأ هذه الفترة نحو 746 ق.م. بعد موت بيي في كوش، وعند مجيء خليفته شباقو (شباكة في قراءته القديمة)، فهو أول من حكم مصر وكوش معًا من مصر، وقلّده في ذلك أربعة ملوك من بعده أشهرهم تارقو (تهراقة في قراءته القديمة)، الذي وصفته النقوش الآشورية بأنه ملك مصر وكوش.

ولكن تارقو مثل سلفه شبتقو (شبتكو في قراءته القديمة) شغل نفسه بالحرب مع الآشوريين الذين كانت إمبراطوريتهم قد غدت أكبر قوة في الشرق آنذاك في القرن السابع قبل الميلاد. وانتهى الصراع الآشوري الكوشي بهزيمة الكوشيين وإجلائهم عن مصر مرتين، مرة في عهد تارقو ومرة أخرى في عهد خليفته.

الفترة النبتية الثانية (663-540ق.م)

بدأت هذه الفترة بعد إجلاء الكوشيين عن مصر، وحكمهم لكوش منفردة من نبتة مرة أخرى. وفي الوقت نفسه كانت للكوشيين مدينة أخرى في وسط كوش هي مروي. ولأسباب غير معروفة يقينًا انتقلت العاصمة الكوشية من نبتة إلى مروي نحو 540 ق.م، تمامًا مثلما كانت قد انتقلت إلى نبتة من كرمة من قبل.

ومما شهدته هذه الفترة الصراع الشديد بين الكوشيين والصاويين الذين كانوا يحكمون مصر آنذاك، فيما يعرف بالأسرة السادسة والعشرين من تاريخ مصر القديمة.

الفترة المروية 540) ق.م.  400م(

الفترة المروية أطول عهود الكوشيين زمنًا وأزهاها، سميت بالمروية لحكم الكوشيين دولتهم من مروي، على الشاطئ الشرقي لنهر النيل في الطرف الغربي من أرض البطانة جزيرة مروي. شهدت هذه الفترة عهود رخاء وازدهار وعمران، وعرفت أول كتابة للغة الكوشية المشهورة حاليًا باللغة المروية.

كما عرفت الفترة صلات سلمية طويلة المدى مع مصر وأكسوم في الحبشة. لكن الصلات السلمية مع مصر تخللتها أحيانًا صدامات مع حكامها من الصاويين المتأخرين، وبعض البطالمة ثم الرومان، وذلك حين كانت كوش تناصر ثورات الصعيد المصري ضد هؤلاء جميعًا.

كما شهدت الفترة غزوًا كوشيًا لصعيد مصر في بداية حكم الرومان لها بقيادة ملكة وولي عهدها، شمل جزيرة فيلة وأسوان وجزيرة الفنتيني المواجهة لها، أثمر عن غنائم كثيرة من بينها تمثال الإمبراطور الروماني أغسطس. فأدى هذا الغزو إلى حملة تأديبية رومانية صادفت بعض النجاح في شمال كوش.

لأسباب غير معروفة خفت صيت كوش عالميًا في القرن الرابع الميلادي ولم تعد لمروي الأهمية السياسية التي عرفت بها من قبل. وليس ببعيد أن تكون ظروف غير معروفة للباحثين قد أدت إلى نقل الكوشيين عاصمتهم نقلة ثالثة إلى الجنوب إلى سوبا شرق النيل الأزرق، ونقلة رابعة بعدها إلى موقع سنار الحالية. ومهما كانت الأسباب فإنه ليس هناك من دليل يسند الزعم الشائع بأن دولة أكسوم أسقطت مملكة مروي، وأن ذلك كان على يد عيزانة الأكسومي.