فكرة مجنونة قد تصبح حلًّا ناجعًا لمرضى السكري


فكرة مجنونة قد تصبح حلًّا ناجعًا لمرضى السكري

إنترنت الأشياء (IoT) عالم سحري، فتح المجال واسعًا لربط كل شيء وأي شيء معًا عبر الإنترنت من بشر وأجهزة، في عملية غير مسبوقة لتبادل البيانات؛ بهدف أداء وظائف محددة.

في ذلك العالم، لم تعد الآلات والأجهزة مجرد مسامير وتروس، بل أصبحت تتواصل معًا، وتتبادل البيانات وتحللها، وتتفاعل مع المستجدات، وتتخذ القرارات وفقًا لأوامر برمجها البشر. فالثلاجة تشتري الطعام، والسيارة تقود نفسها، والساعة الذكية تتصل بالطوارئ عندما يتعرض مرتديها لحادثة تُفقده الوعي.

لكن هل خطر ببالك أن تتحكم يومًا ما في وظائف جسمك الحيوية بواسطة هاتفك الذكي كما تتحكم في ثلاجتك؟ إنه ضرب من الخيال العلمي، الذي بات أمرًا قابلًا للتحقيق في المستقبل، فيما يُعرف بـ"إنترنت الأجسام" (IoB)، وهي شبكة من الأجهزة الذكية التي ترتبط بأجسادنا أو تُزرع داخلها، لتراقب الأجهزة الحيوية وتتحكم فيها.

فقد نجح فريق دولي يقوده باحثون من المعهد الفيدرالي للتكنولوجيا في مدينة زيوريخ السويسرية، في استخدام الإلكترونيات للتحكم المباشر في التعبير الجيني للجسم لأول مرة، بواسطة جهاز يتم زرعه في جسم مريض السكري، لتنظيم مستويات السكر في الدم.

والتعبير الجيني (Gene Expression) هو عملية يتم خلالها استخدام الجينات لإنتاج بروتينات معينة تسهم بشكل رئيسي في عمل خلايا الجسم. وأضاف العلماء أن دراستهم التي نُشرت مؤخرًا في دورية (Science) توفر أساسًا لتطوير أجهزة يتم زرعها في الجسم لأداء وظائف محددة، مثل التحكم في نسب السكر في الدم، ويمكن تشغيلها وإيقافها عن طريق الإنترنت.

إنترنت الأجسام

البروفيسور مارتن فوسينيجر -قائد فريق البحث، في قسم علوم وهندسة النظم الحيوية في المعهد الفيدرالي للتكنولوجيا في زيوريخ- قال في تصريحات لـ"للعلم"، إن دراستهم هي الأولى من نوعها التي يتم فيها استخدام الإلكترونيات للتحكم المباشر في التعبير الجيني. إنها بداية لعصر جديد لعلم الـ(Electrogenetic)، الذي يربط بين الإلكترونيات وجينات الكائنات الحية، لذلك أصبح من الممكن لأول مرة ربط الأجهزة الإلكترونية التي تتحكم في حياتنا اليومية، مباشرةً بعالم الجينات الوراثية، وتبادُل المعلومات بينهما.

وأضاف: "سيتيح هذا الجهاز التحكم في التعبير الجيني لأجسامنا عن طريق أجهزة مثل الهواتف والساعات الذكية، وسيكون الطبيب قادرًا على مشاهدة أنشطة التمثيل الغذائي في الجسم والتحكم فيها".

وعن التطبيقات المستقبلية لتلك الأجهزة، أشار "فوسينيجر" إلى أنه يمكن في المستقبل استخدام الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، للتحكم في اضطرابات التمثيل الغذائي وتصحيحها في الوقت الفعلي، وجعل العلاج طويل الأمد للأمراض المزمنة شيئًا من الماضي.

وتابع: "باختصار مع علم الـ(Electrogenetic) سنكون قادرين على تأسيس إنترنت الأجسام وربط أجسامنا بإنترنت الأشياء. من الناحية العملية، يمكننا أن نتوقع أن إنترنت الأشياء لا يتحكم فقط في ثلاجتي وقائمة التسوق الخاصة بي.

ولكن استنادًا إلى قائمة التسوق والوجبات، سوف يتحكم جسدي بشكل مباشر في إنتاج الكمية المناسبة من الإنسولين وإفرازها، دون أي تدخُّل مني".

واعتبر أن هذه التقنية ستجعل العلاجات الحالية طويل الأمد لمرض السكري شيئًا من الماضي. "هل يبدو ذلك مثل الخيال العلمي؟ مع علم الـ(Electrogenetic) أصبحت هذه بداية تحويله إلى واقع"، على حد قوله.

ووفقًا لآخر إحصائيات منظمة الصحة العالمية، فإن عدد المصابين بالسكري، بنوعيه الأول والثاني، يبلغ 422 مليون نسمة حول العالم.

آلية العمل

ووفق الدراسة، فإن الجهاز الجديد يحتوي على عدة أجزاء، هي: وحدة تحكم إلكترونية تُعرف بلوحة الدائرة المطبوعة (PCB) مزودة بجهاز استقبال، بالإضافة إلى كبسولة تحتوي على خلايا بشرية أُطلقَ عليها (Electro B cells)، وتم توصيلهما بسلك صغير، ويتم زرع الجهاز تحت جلد مريض السكري من النوع الأول.

وفور أن يأكل شيئًا ويرتفع مستوى السكر في دمه، يمكنه استخدام تطبيق على هاتفه الذكي لتشغيل الجهاز، أو يمكنه إعداد التطبيق مسبقًا لعمل ذلك تلقائيًّا إذا أدخل المريض تفاصيل الوجبة مسبقًا.

وحول آلية عمل الجهاز، أشار الباحثون إلى أنه يتم التحكم به عبر الإشارة اللاسلكية من خارج الجسم، التي تعمل على تنشيط وحدة التحكم الإلكترونية في الجهاز، وتنقل بعد ذلك إشارات كهربائية مباشرة إلى الخلايا الموجودة فيه.

لتحفيز مجموعة من قنوات البوتاسيوم والكالسيوم داخل الجسم، وهذا بدوره يؤدي إلى إطلاق إشارات في الخلية للتحكم في جين الإنسولين وإفرازه بالدم في غضون دقائق.

ولتجربة الجهاز الجديد، قام الباحثون بزرعه تحت جلد الفئران المصابة بالنوع الأول من السكري، واستطاعوا تحفيز قناة البوتاسيوم التي تُدعى (CaV1.2)، وتؤدي إلى مجموعة واسعة من العمليات الخلوية، مثل إفراز هرمون الغدد الصماء والتعبير الجيني، وقناة البوتاسيوم (Kir2.1) المسؤولة عن تنظيم عمليات متنوعة أبرزها إطلاق الإنسولين.

إذ يساعد تنشيط عملية قنوات الكالسيوم والبوتاسيوم على تحفيز الحويصلات داخل البنكرياس لإفراز هرمون الإنسولين. وقد بلغت مستويات الإنسولين ذروتها لدى الفئران في غضون 10 دقائق، وتمكنت من ضبط مستويات السكر في الدم.

وللتحقق من التوافق الحيوي للجهاز المزروع مع أنسجة الفئران، عمل الفريق على تحليل مجموعة من الأنسجة، ولم يلاحظوا أية سُمِّيَّة للجهاز على الكلى أو الكبد، كما لم يرصدوا أي اختلافات في خلايا الدم والأوعية الدموية، كما لم يلاحظوا أي خلل مناعي ناتج عن وضع الجهاز في الجسم، كما لم يظهر أيضًا أي تغيُّر في أوزان الفئران التي وضعوا الجهاز بداخلها، مقارنةً بالمجموعة الأخرى التي لم يوضع بها الجهاز.

ووفق الدراسة، يندرج هذا الجهاز تحت ما يُطلق عليه النظام المغلق (Closed-loop) للتدخلات الطبية، والذي يتيح التحكم في إفراز الإنسولين إلكترونيًّا ودون تدخل بشري، ويمكّن المريض من احتساب السعرات الحرارية للوجبة التي سيتناولها، ويعمل الجهاز على ضخ الإنسولين آليًّا فور تناولها، على عكس النظام المفتوح (Open-loop) الذي يحدد فيه الطبيب جرعة الإنسولين اللازمة للمريض وفقًا لوزنه.

بحث قابل للتطبيق

سعيد شلبي -أستاذ الباطنة بالمركز القومي للبحوث بالقاهرة، ونائب رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا السابق- اعتبر أن هذه التقنية جيدة جدًّا، ويمكن أن تفيد في تنظيم سكر الدم لدى مرضى السكري من النوع الأول، الذين تفتقر أجسامهم إلى خلايا "بيتا" المسؤولة عن إنتاج الإنسولين.

ورأى -في حديث لـ"للعلم"- أن هذه الفكرة قابلة للتطبيق؛ نظرًا لسهولة زرع الجهاز تحت الجلد، رغم أنها لم تُجرب على البشر حتى الآن.

وأضاف أن هناك أوجه قصور يحتاج فريق البحث إلى معالجتها في المستقبل، ومنها العمر الافتراضي لخلايا (Electro B cells)، إذ حدد فريق البحث عمرها الافتراضي بـ3 أسابيع تقريبًا، مشيرًا إلى أن الفريق يحتاج أيضًا إلى تطوير هذه الخلايا وزيادة عمرها الافتراضي بين 6 أشهر وعام، عبر زيادة عدد الخلايا على سبيل المثال، أو وضع تركيبات معينة تزيد عمر الخلايا وتحميها من التكسير، بالإضافة إلى تأمين عمليات نقل هذه الخلايا إلى المرضى حتى لا تتعرض للتلف، كي يكون الجهاز مُجديًا.

فكرة جنونية

من جانبه، قال ممدوح أنور، أستاذ الفسيولوجيا الطبية بكلية الصيدلة بجامعة جازان بالمملكة العربية السعودية، وكلية الطب بجامعة أسيوط في مصر: إن ما يميز البحث أنه اعتمد على منهج الأفكار غير المألوفة و"الجنونية" -على حد تعبيره- لحل المشكلات الصحية.

وأضاف -في تصريحات لـ"للعلم"- أن فكرة هذا الجهاز ممتازة، ويمكن أن يصبح حلًّا ناجعًا لمرضى السكري من النوع الأول، إذا ثبتت جدواه.

وتابع أن مرضى السكري يعانون عادةً من انتشار الشوارد الحرة (Free Radicals) التي تضر الخلايا وتسبب الالتهاب، وبالتالي نحتاج إلى معرفة تأثير تلك الشوارد على انتظام عمل هذا الجهاز، كما أن الأحماض الدهنية التي تعتبر سببًا رئيسيًّا في موت خلايا البنكرياس عند مرضى السكري من النوع الثاني، ربما تؤثر على عمل الجهاز، مشيرًا إلى أن الجهاز يستهدف منطقةً شديدة الحساسية وهي الجينات، وبالتالي نحتاج إلى التأكد من عدم تأثيره بالسلب على جينات أخرى في جسم الإنسان.

أما "فوسينيجر" فقد عبر عن المخاوف ذاتها فيما يتعلق بإمكانية تأثير الجهاز الجديد على الخلايا والجينات، مشيرًا إلى أن التحدي الأكبر أمام فريقه البحثي هو ضمان عدم حدوث أي ضرر للخلايا والجينات، لذلك يحتاجون إلى إجراء مزيد من الأبحاث، بالإضافة إلى تحسين مكونات الجهاز من حيث الإلكترونيات والخلايا.

وأشار إلى أن العقبة الأخيرة التي يجب التغلب عليها هي إيجاد طريقة أسهل وأكثر ملاءمةً لاستبدال الخلايا المستخدمة في الجهاز عند نفادها؛ إذ إن عمرها الافتراضي حاليًّا 3 أسابيع تقريبًا، مضيفًا أنه بالإضافة إلى العدد الأقصى لعمليات الزرع، وتقييم الآثار الجانبية لهذه العمليات على الجسم، فالأمر لا يزال يتطلب سلسلةً من الاختبارات السريرية على البشر قبل اعتماد الجهاز.